عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

92

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

حجاب ، إذ الحجب إنما هي من صفات الأجسام وإلا فالحقّ تعالى ليس عليه حجاب في ذاته ، ولا يليق بجلاله وإنما الحجب على الخلق من ذواتهم ، فإذا ارتفعت عنهم الحجب المنوطة بهم المانعة لهم تجلّت لهم جميع صور الموجودات كلها فيرون العالم كله باللّه ، إذ رؤيتهم للّه مشتملة على جميع المرئيّات فيستدلّون عليها به كما استدلّ غيرهم عليه بها ، لكنهم يرونها بالنظر إلى موجدها عدما محضا لا وجود لها من ذاتها وإنما وجودها معار لها من واهبها ، فيتحققون معنى قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ القصص : الآية 88 ] ، إذ كل ذرة في العالم لها وجهان : وجه إلى ذاتها ووجه إلى ربها ، فالذي لها من ذاتها هو وجهها الهالك وهو محض العدم ، والذي لها من خالقها هو الباقي لأنّه وجه الحقّ و كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] ، أي ما للأشياء من ذواتها عدم ، وما لها من خالقها فهو الوجود الباقي ، فلا باقي إلا الحق لا سواه : [ من الوافر ] شهدت وما شهدت سوى إيائي * وما أحببت من ليلى سوائي شهادة من أصار الفصل وصلا * وسوّى في السّرابيل السواء وسار إليه منه وفيه حتّى * رأى عين الحقيقة في العماء فيفنى ثمّ يفنى ثمّ يبقى * فكان فناؤه عين البقاء إلا أن هذا الحال لا يكون في هذا العالم إلا لوائح وبوارق ، ولا يدوم بالكلية إلا بعد فراق هذه الأجسام إذ تدبير ضروراتها من أعظم الحجب عن ذلك المقام الجليل . والواصل إلى هذا المقام هو الواصل على الحقيقة . والناس مختلفون في تحصيله وفي دوامه على قدر ما سبق لهم : [ من الطويل ] سقى الأوطف الهطّال دارك باللوى * وروّاكما يا أيّها العلمان فعندكما معنى وإن كان غائبا * أراه بقلبي فهو منّي دان « 1 »

--> ( 1 ) هذا البيت هو للأبيوردي ، أبي المظفر محمد بن العباس أحمد بن محمد بن أبي العباس الإمام ، من شعراء العصر الفاطمي ، مات مسموما بأصفهان سنة 507 ه وكانت ولادته في كوفن سنة 457 ه .